الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
183
انوار الأصول
به ، ومثل الغسل إذا لم يجد الماء لتمام الغسل فلا يجوز أن يكتفي بغسل بعض الأعضاء ، استناداً إلى هذه القاعدة ، وهكذا الوضوء فيما إذا لم يجد الماء إلّا لغسل بعض الأعضاء ، وباب الحجّ إذا لم يقدر على بعض الوقوفات أو بعض الطواف ، إلى غير ذلك من أشباهها ، فلو اكتفينا بجميع ذلك للزم منها فقه جديد لا يلزم به أحد . إن قلت : ما الوجه في كون المعيار في العمل بهذه القاعدة هو عمل الأصحاب مع أنّها عامّة ؟ قلنا : الوجه في ذلك أنّ الأخذ بظاهر القاعدة وبعمومها يستلزم تخصيص الأكثر وهو مستهجن ، فيستكشف منه أنّه كان للقاعدة معنى آخر لوجود قرائن خاصّة محفوفة بها لم تصل إلينا ، وحينئذٍ لا بدّ من الاكتفاء بتطبيقات أصحابنا الأقدمين رضوان اللَّه عليهم ، وعليه يكون مصير قاعدة الميسور مصير قاعدة لا ضرر في قلّة فائدتها وسقوط عمومها عن الحجّية إلّا فيما عمل به الأصحاب ( للزوم هذا المحذور بعينه فيها أيضاً بناءً على العمل بعمومها ، وذلك لخروج مثل باب الحجّ والزكاة والجهاد وأبواب الحدود وغيرها من الواجبات المشتملة على الضرر ) . أقول : الإنصاف أنّه من المستبعد جدّاً وجود قرائن خاصّة محفوفة بخبر الميسور ( وكذلك خبر لا ضرر ) لم تصل إلينا ، والذي أوجب اختيار مثل صاحب الجواهر رحمه الله هذه الفرضيّة أنّه لم يتمكّنوا من حلّ مشكلة التخصيص بالأكثر ، ولكن الصحيح عدم لزوم هذه المشكلة لا في باب قاعدة لا ضرر ولا في المقام . أمّا في الأوّل فلعدم كون ما يتوهّم شموله على الضرر ضررياً فإنّ مثل الزكاة والجهاد ممّا يتوقّف عليه حفظ نظام المجتمع ، ومصلحة العامّة من الأمن والأمان ، وإيجاد الطرق وتهيئة رجال الأمن والجنود ، والحجّ عزّ للإسلام يوجب شوكة المسلمين ، وهكذا غيرها من الواجبات التي مصالحها ومنافعها أكثر من المصارف المالية والجهود البدنية ، فيحكم العقل قطعاً بعد كسر وانكسار بعدم كونها ضرريّة ، ولذا قد نشاهد نظائرها بين العقلاء من أهل العرف ، كأخذ الضرائب والمكوس لحفظ نظام المجتمع . وأمّا قاعدة الميسور فلما مرّ من أنّها لا تدلّ على أكثر ممّا هو ثابت بين العقلاء ، وناظرة إلى إمضاء القاعدة الموجودة عندهم فيما ثبت فيه تعدّد المطلوب والملاك ، فإنّهم يتمسّكون بها فيما إذا ثبت من الخارج أنّ العمل الفلاني اشتمل على ملاكات مختلفة بين ناقص وتامّ ، بعد تعذّر